بالأمسِ وَبَعْدَ أَنْ خطفكِ النَّوْمُ منّي عَلَى غفلةٍ وأغراكِ بأحلامهِ الورديِّة كنتُ عَلَى وشكِ أَن ابوحَ لكِ بمكنَوناتِ صَدْرِي علَّني أُطَمّئِنُ بِهَا طُيُور الشَّكّ الَّتِي تحلّقُ فِي سماءِ الاوهامِ لتحطَّ عَلَى بيادرِ النُّور وَالْيَقِين ، انتِ يَا اميرةَ قَلْبِي ، عشيقةَ رُوحِي ، ملهمتي ،وطبيبة اخزاني. يَا أرقَّ الْقُلُوب ، وارهف الْمَشَاعِر. يَا مَنْ تغفو احلامها فِي حَنَايَا صَدْرِي وَفِي أَعْمَاق أَحَادِيثَنَا الخجولة ، عَلَى مخدةِ وِجْدَانِيٌّ ، يَا مَنْ اخافُ عَلَيْهَا مِنْ نظرةِ شكٍّ أَو اتهامِ . يَا امرأةً نَسيت بَراءةِ الطُّفولَةِ أَن تغادرَ مقلتيها ، أَرَاهَا بلمعانِ عينيكِ ، أَسْمَعُهَا بعذوبةِ صوتكِ وَقَهْقَهَة ضَحِكاتكِ كَأَنَّهَا الحانِ ، المحها بِفِكْرِي بمصطلحاتٍ وتساؤلاتٍ تَتَطَايَر مِنْ بَقَايَا حديثٍ دارَ مَا بَيْنِي وبينكِ مِن أزمانِ ، أَسْمَعُهَا قَلَقٌ وتَساؤلاتٌ لَا تُوجَدُ إلَّا بِعَالِم الطَّيِّبَة والاحلامِ . يَا شمعةً تُنِير بضؤِها السَّاحِر طَرِيق اطفالٍ تشابهُ بِجَمَالِهَا مَلَائِكَة النُّورِ فِي عالمٍ الظلامِ . عالمٌ جُبِلَ بِتُرَبَةِ الْقَسْوَة وبُنيَ بأيّدِ الْمَجْهُول . . . . انتِ وَجْه الْحَبّ الطَّاهِر ، وَرَمَز الإغراءِ وَالخَطِيئَة فِي آنٍ وَاحِد ، أَنْتِ مَصْدَرُ فَرَحِي وَسَبَب أحْزَانِي . . . . تشبهينَ نسماتُ الصَّبَّاحِ النَّاعِمَة تنعشينَ رُوحِي ، تداعبينَ مشاعري ، حِينَمَا أجدُ نَفْسِي عاجزاً عَن لمسكِ وضمكِ إلَى صَدْرِي لأستنشق رَائِحَةَ عطركِ السَّاحِر واضيعُ كطفلٍ بينَ تفاصيلَ جَسَدِك الْآسْر . . . انتِ اللاشيء وانتِ كُلِّ شَيْءٍ . أطمأنّي يَا صغيرتي وَلَا تقلقي ، فَمِن شدّةِ حِبِّي لكِ قَد اتواطئُ معكِ عَلَى اغتيالِ ذَاتِي وأخونها خلالَ نزهةٍ عَلَى ضفافِ نهرِ الصِّدْقُ وَالْوَفَاءِ قَد نطعنُ نَفْسِي سويَّةً بخنجركِ المرصَّع بِأَحْجَارِ الْخَوْف وَالْقَلَق لَتَسِيلَ دِمَائِهَا فِي جَدَاوِل التَّضْحِيَة وَالطُّمَأْنِينَة وَتُصَب فِي بِحَار الْآلِهَة . . . آلهةالحب الْحَقِيقِيّ … .أيا إله الحب ها قد تعاقبت الفصول واكتملت المشاهد كما ترأت لي وكتبتها من وحيك والهامك ، فقد تحققت مشيئتك وقدمتُ قلبي قرباناً على مذبحِ الحب. اتوسلُ اليك ان تدعني آخذ ما تبقّى من قلبي المطعون إلى احضانِ اميرتي فهي تداوي روحي وتبلس جراحي
أوتسألين بعد لماذا أُحببتكِ.؟! كيف لا أعشقكِ وقد تذوقتُ ليلة أمس طعم خمرةِ الجنّة من بين شفتيكِ ! كيف لا أجنُّ بكِ وقد لامست شفتاي جمرات الأغراء فاحترقَ قلبي بشهواته قرباناً على مذبح حبكِ وانتشر عبق عطرهِ بخوراً ولُباناً في أرجاءِ المعمورة يُسبّحُ آلهة الحبِّ والاغراء،يُسبّحكِ انتِ يا مولاتي أميرةَ قلبي،حبيّ ، عشقي وسبب جنوني. كيف لا أحبكِ وقد سجدتُ أمامكِ أستعطفكِ، ألاطفُ خصركِ الناحل أُداعبه بأناملي الدافئة أضمّهُ برفقٍ وحنان حتى تلامس شفتاي حدائق جناته فتلاقيه بقبولاتها الحارٓة . أسكر برائحة عطركِ أناجيكِ،ابكي بسرّي مستدركاً ساعة الفراق المحتوم ،تحسّين بدموعي بحرقتي وخشوعي تشعرين بخفقانِ قلبي وتسمعين تنهداتي من أعماقِ ضلوعي ! تمسكين رأسي بكلتا يديكِ الدافئتين تضمينه إلى صدركِ برفق وحنان فأغفو على أنغام نبضات قلبك وأسافر في احلامي على أجنحة الأمل إلى عالمكِ الخاص حيث تلامس شفتاكِ عن طريق الصدفة حدود عنقي فتنتحر مشاعري شوقاً وقهرا امام دفيء انفاسك وطيب قبلاتك . أنتِ يا من حملتِني بدفئِ حبكِ ،عطفكِ وحنانكِ إلى حدائق الجنّة فتلمّستُ بأناملي خمائل ورودها المخملية وسكرتُ من رائحةِ عطرها. انتِ يا معذبتي ويا سبب فرحي ، أنفصامي وجنوني أجدُ معكِ لذَّةً في ألمي وأفتخرُ بأنكِ حبيبتي وإنكِ من فجرَّتي في متاهاتِ قلبي ينابيع الحنان فسارت مترنحة في جدوال العشقِ لتصب في بحارِ حبكِ اللامتناهية .تلك الجداول التي ايقظت بأنغام جريانها طيور الخواطر من على جوانب ضفافها فطارت وحلّقت كأسراب الحمام الزاجل في سماءِ المحبة والسلام .. آااه منكِ.. آاااه منكِ يا من تتربعين على عرش الحب تجسدين الشهوة والأغراء ، تسجنين كل من وقع بحبكِ وانخطف بسحرك وجمالك في قفص الحرمان وانت تستلقين عاريةً على قطن السحاب الأبيض تتباهين بجسدك الآسر تشربين بكأسِ اللامبالاة خمرة الحب من عصارة قلوبٍ لعشاق غرقوا في بحار حبك… ولكن رغم كل ذلك فإنكِ تجسدين في عقلي ووجداني رمز البرأة والطهارة وانتِ في الحقيقة وربما في الخيالِ ايضاً إلٓهة الحب والاغراء… أحبكِ ،أُحبكِ حتى يعجزُ الحب عن ارضائي..!
دعتني إحدى السيدات اللواتي يتمتعنَ بحسِ الفُكاهة والمزاح أن أتركَ عالم الخيال وألتحقَ بعالمِ الواقع علَّنا نلتقي عن طريقِ الصدفة في أحد الأماكن المميزة نرتشف القهوة ونتباحث في أمورِ الحياة ، فكتبتُ لها التالي : قد تكون مُخيلتي ومخيلتكِ يا سيدتي أوضح وأشدُّ صدقاً مما تراهُ عيناكِ الجميلتين في وضح النهار ، فكيف تقترحين أن اتخلّى عن جناحين أحلّقُ بهما في السماوات اللامتناهية للخيال خارج حدود الزمان والمكان وأرضى بساقين لا تتعدى نقلتهما المتر الواحد أتنقل بهما بين الأزقّةِ والشوارع بحثاً لنا عن مقهى لنشرب القهوة؟.! فأجابتني على الفورِ : صدقت فقد لمحتُ في سماءِ مخيلتي ما كتبتَ لي من كلماتٍ بدت لي وكأنها حمائم وزغاليل بعدَ أن قرأتها على هاتفي المحمول. سأنتفُ ما عليها من ريش وزغب أصنع لي منها جناحين وأطير بهما حيثما تُحلّق إلى عالمك ودُنياك… (حط الركوي عالنار صرت واصلي)
ما أغربنا نحنُ البشر كيف نستميت في سبيلِ إنقاذ ما تضرر من أجهزة او معدات اخترعناها لأنفسنا بغية الترفيه ونغفلُ عن الإهتمام بأجسادنا تلك الآلات الرائعة التي وهبنا إياها الله مسكناً مقدَّساً لأرواحنا نتنقلُ بها حيثُ ما نشاء، نتذوق ما طاب لنا من مأكلٍ وننتشي بما تيسّر لنا من خمرةٍ وماء ، نلمس نستشعر ، نتواصل ، نكره، نحب ونتعرّف من خلال أدمغتنا اللامحدودة المعرفة إلى عالمنا المحدود المسجون في نطاق عالم البشر . أما عن ذاتي فهي توّاقةٌ للبقاءِ في ذلكَ الجسد حتى آخر لحظة من تاريخ صلاحيته فهو ملجأي ومركبتي الدنيوية أحلّقُ بها ما بينَ الحياة والموت في سماءِ المحبة حاملاً ومحملاً ما يكفي من مياه الإيمان ممزوجٌ بخمرةِ الحب الصادق لتمطرّ في صحراءِ البؤس إكسير الحياة وتنسابُ في جداول من نُحب ترتوي منها بذور القلوب العطشة لتنبتَ فيها براعم الفرح والسعادة . ولكن حينما تفرغُ تلكَ الخزانات من محتواها ستنشق المركبة حتماً لتسقط في عالم الموت والفناء فتتحرر منها الروح خاطفةً معها ذواتنا المسجونة في دنيا البشر إلى فضاءِ لامتناه قاصدةً عالم اللاوجود حيثُ نكتشف ما هو أغلى من الحياة ونستمتعُ بما هو أرقى من السعادة
شاطىء الجنة
اما انا فقد ضاعت مني الحروف وتمردت علي الخواطر وهجرتني الأفكار بعد ان لمحتكِ عاريةً على تلك الرمال الدافئة حيث انخطفت مني ذاتي على شطآن جناتكِ ولاحقتكِ إلى عالمكِ ، عالمكِ الخاص يا حوريةَ احلامي وطبيبةَ اخزاني . ما زالت آثارُ دعسات قدماكِ العاريتان تختبىء تحت زبدِ امواج البحر وفي طيَّاتِ الخلجانِ ،تتكشف بين الفينة والأخرى مع كلِ جزرٍ ثم تعود لتختفي تحت امواج المدِّ. انخطفت روحي بجمالكِ وانسحرت بمفاتنكِ واصبحت تلاحقكِ اينما ذهبتِ تلهثُ خلفكِ تتمسكُ بما تبقَّى من ظلالكِ علّها تلتقي بك عن طريق الصدفة فتغطي جسدكِ الآسر برداءٍ الحبِ ، تحتضنكِ بمشاعر الغيرة ،تحميكِ من ذئابٍ يسعينَ خلف القطعانِ ❤️❤️❤️…
في زمنٍ من الأزمانِ المتمردة على ذاتها وقبلَ أن أُخطف من عالمِ اللاوجود عالم الصُدقِ والبرأة إلى دنيا الواقع والخطيئة على أيدِ ذكرٍ وأُنثى من بني البشر وقبلَ أن أُلبسَ مُرغماً على عري جسدي الطاهر رداءَ الخضوع الأبيض مكبّل اليدين أسير الروح في قماشٍ خُيّطَ بأيدي رجال الدين بخيوطٍ نُسجت على نولِ حقائق مختلفة في أقبية الخضوع للحساب والعقاب وعلى ضوءِ سراج المعتقد غافلين عن نور الإيمان والحقيقة الساطعة كنورِ الشمس في وضحِ النهار ، قبلها كنتُ متمسكاً بذاتي مُضّجعاً تحت نور شمس اللاوجود أتمتعُ بدفئ الحرية اللامتناهية أمشي على دروب قناعاتي أقطف من بساتين إيماني ثمار البرأة غذاءً لروحي علّني أُسافرُ بها على قطنِ السحاب الأبيض السابح في سماوات الطهر والقداسة إلى ربوع جنّاتك يا خالقي وإلاهي، أما اليوم أستيقظت ذاتي من ذاك الحلم الجميل على صراخي وأنيني لأجدني غارقاً في دنيا الألم أشكو من مرضِ الواقع والخطيئة أتكلمُ لغة البشر أمشي معهم على دروبِ الكذبِ والتصنّع في ظلمةِ شمسٍ حجبتها غيوم الكفر والشعوذة أعمل بمشيئتهم أُتاجرُ بالمباديء والأخلاق أبيعُ الإنسانية على بساط الشهوةِ والملذات وأقطفُ من بساتينِ الطمع والأحتيال ثمار العملة الصعبة علني أصلُ بها إلى ملاهي السكر والعربدة في سيارات فخمة صممها أبليس في مصانع الفحشِ والإغراء تتمايز بألوانها السوداء أختبئ من وجه الخالق القدير غارقاً في مقاعدها المخملية خلف زجاجٍ داكنٍ يشبهُ بسوادِه سواد الليل الحالك قبل بزوغ فجر القيامة والحساب متوهمٌ بأنَ سواد ذلكَ الزجاجِ سيحجب عن أعين الله ما اقترفت ايدينا من ذنوبٍ وخطايا
لماذا…!
في كلِّ مرةٍ أُقدّمُ لكِ عذراً أو تبريراً عن أمورٍ لم تحصل كما تتوقعين تسألين لماذا لأعود بدوري إلى تقديم تفسيرات جديدة ثم تسألين لماذا هكذا في دوامةٍ لا تنتهي. عذراً سيدتي ومعذرةً لو تأخرتُ عن انجازِ ما طلبتِ مني، فقد انشغلتُ بالأمسِ بأمورٍ عائلية وزياراتٍ اجتماعيّة، وبقيا قلبي وتفكيري منشغلان بكِ وليس بما طلبتي وقبل أن تسألي لماذا دعيني أضعُ تلك الكلمة على مشرحةِ الواقع ونغوص في أغوارها علّنا نكتشف حقيقتها.! لماذا ؟! كلمةٌ مؤلفة من خمسة حروفٍ يقفُ خلفها الفَ سؤآلٍ وسؤال كانتْ وما زالت مفتاحٌ لأبوابِ المعرفةِ وسببٌ لاكتشافاتٍ عظيمةٍ ومهمةٍ لأبناءِ البشر ، انتقلتْ بنا من عالم الجهلِ والتخلف إلى عالمٍ النورِ والمعرفة… لماذا : كلمةٌ تستحقُ أن ترتقي إلى مستوى الصفِ الأول لكلماتٍ ومعانٍ كان وما زالَ لها تأثيرٌ كبيرٌ على مسارِ حياتنا اليومية من حيثُ التطور والتقدم فمن بعدها تُفتحُ الأبواب، يُكشفُ المستور وتُفضَحُ الأسرارُ المخفية. لماذا : قد تسببُ لنا الاحراج في معظمِ الأحيان وربما الخجل… ، لماذا : قد تكشفُ لنا عن ذاتنا وطباعنا ومشاعرنا المتقلِّبة المعقدة والمتناقضة مع كل كلمةٍ او موقفٍ او سبب…(لماذا ، كيف ومتى) : المثلث السحري والركيزة الأساسية لمنصةٍ انطلقَ منها الأنسان إلى اقصاعِ الكون وغاصَ بأغوارِه ، اكتشفَ أسرارهِ وسخّرها لخدمةِ العلمِ والتطور… لماذا : هي سيفٌ ذوُ حدّين قد تضعنا داخلَ قفصِ الأتهامِ في حالِ طُرحتْ علينا وقد نكون في موقع المسؤولية او الإحراج لو طرحناها على الآخرين في ظروفٍ او عندَ اوقاتٍ معينة. فأين نحنُ من هذهِ المعادلة… ؟!
لماذا يُعادُ التصويت في كُلِ مرةٍ لمن خزلونا بتحقيق مطالبنا المحقّةْ؟
لماذا التحالف عندَ كل استحقاقٍ انتخابي ما بين الاخصام التقليديين في السياسة وعند ظروفٍ معينة ؟
لماذا لا نعطي ثقتنا ودعمنا لأشخاصٍ جُدد من الطبقةِ الشعبيةِ ترغبُ بالعملِ في مجالِ الشأنِ العام بكلِ محبةٍ وشفافية؟
لماذا علينا أن ندفعَ أصواتنا في صناديقِ الأقتراعِ ثمنٌ لخدماتٍ صحية او اجتماعيّة هي بالأساسِ حقٌ لنا؟
لماذ علينا ان نرضخَ للأنهيارِ الحاصل ونقدم استقالاتنا ونخسر مراكزنا بمؤسساتٍ صرفنا ما يكفي من سنواتِ اعمارنا لخدمتها؟
لماذا علينا أن نهاجر وندفع بِخِيرَةِ الشبابِ الى هجرةِ الوطن ؟
أسئلةٌ كثيرةٌ تستحقُ أن نتوقف عندها قبل اتخاذ قراراتنا المصيرية…أما بعد ما زال هنالك سؤال يشغلي بالي، هل ستسألين من جديد لماذا.
موظف القطاع العام
يترنحُ تحتَ ضرباتٍ متتاليةْ موجِعةْ لا تعرفُ الشَفقَةَ ولا الرحمةْ يُضرَبُ في لقمةِ عيشه ، أمنه الغذائي وأمانه الأجتماعي ، يعاني ويتألم في خِضَمِّ صراعٍ مريرٍ ما بينهُ وبين جحافلِ الغدرِ ، الذُلِ والتخلّفْ. سلاحُهُ الايمان بالله ،الصبر وحُبه لترابِ الارضِ التي ارتَوتْ من دماءِ أجدادنا الابطال في معاركٍ ضاريةٍ ضدَّ الغُزاتِ الطامعين على مرِّ الزمن . يخوضُ معركةَ الوجودِ للحفاظِ على ما تبقَّىَ من وطنٍ جَريحْ . وطنٌ جريحٌ بكبريائه يأبىَ أن يخصعَ أو ينكسر أمام القهر والحصار . وطنٌ مُتمَسكٌ بروحهِ ، كيانهْ وتمايزه الساحر ، حضنَ جميعَ أبنائه على اختلافِ انتمأتهِم السياسية ومعتقداتهِم الدينية منذ الازل…في يومٍ ممطر داخل مواقف سيارات إحدى السوبرماركت استيقظَ من غفلةِ القدر على أصواتٍ تعترضُ وترفضُ الأسعارَ الجنونية التي اثقلتْ كاهلهم واحبطتْ عزيمتهُم ، كانَ مُتَقَوقِعاً في مقعدِ سيارَتِهِ كَنسرٍ جريح ينتظر زوجته التي تحاولُ ان تشتري ما تيسَّر من غذاءٍ وحاجاتٍ ضرورية ، مأخوذٌ بأنغامِ رياحِ الشتاء الباردة ، مسحورٌ بحباتِ المطرِ تَنهَمرُ وتتسابقُ على الزجاجِ الأمامي إلى هدفٍ مجهول ، يتابعُها بنظراتٍ شارِدةْ ، يحاورُها يحاسبها على الانهيار الحاصل وارتفاع الأسعار ، يحتسبُ معها القيمةَ الفعليّة لراتبه الشهري المتواضع مقابل العملةِ الصعبة.يعاتبُها بشيءٍ من الحزنِ والألم.يستعطفُ الوقتَ لتُشفى جراحه ،مشاعِرُهُ باردة شاغرة منفيةٌ الى جُزُرِ القيامةْ ،قلبُه بارد أصبح مجردُ مضخة تضُخُ الدماء في عُرُوقِهِ لتُبقيهِ حيّاً، نبضاتهُ فقدتْ إيقاعها المُنتَظِم وباتتْ كهديرِ محركٍ من الطرازِ القديم …انتفضَ فجأةً وارتعدتْ فرائصهُ خوفاً وفزعاً بعد أن قفزتْ فتاةٌ بسنِ المراهقة إلى داخلِ سيارته بشكلٍ مفاجئ دون أذنٍ او سؤال بالتزامن مع وصولِ رسالةٍ قصيرةٍ إلى هاتفهِ الخليوي تُبلغهُ بسحب ما تبقَّى من رصيده بالمصرف لمصلحة السوبرماركت 😂. جَلَستْ الفتاة بجانبه وكان قد بدا واضحاً على وجهها علامات الإحباط والتعب، وقبلَ أن تلتقطَ أنفاسها عاجلها بسؤالٍ : من أنتِ! ماذا تريدين؟ ما الذي حصل! ؟ وكان يستعجلها كي يعلم سبب لهفتها وقلقها…
أجابت قائلة : أرجوكَ يا سيدي لقد توقفتْ خدمة الأنترنت في المنزل بسبب الصاعقة أخشى ان تكون المودم قد احترقت!
أخذتهُ الدهشة وتحولت مشاعرَ الخوف والفزع إلى شعورٍ يتأرجح ما بين الضحك والغصب وتساءل في نفسه من أين تعرفني هذه الفتاة؟ ثم قال : آسف يا عزيزتي لا يمكنني أن أقدم لكِ أيَّة مساعدة أننا في فترةِ أضراب عن العمل لعلّنا نحصل على الحد الأدنى من مطالبنا، واستطرد قائلاً ومتهكماً يحاولُ أن ينتقم منها بسبب ما فعلته : أسمعي باستطاعتك أن تستخدمي التخاطر وتوارد الأفكار ما بينك وبين من ترغبين التواصل معه ريثما يتم إصلاح العطل . سألت الفتاة :حقاً!! ما هو التخاطر ،وكيف لي أن أقوم بذلك؟
أجابها : الموضوع معقد قليلاً يا عزيزتي ويحتاج ما يلزم من الوقتِ والصبر … لِما لا تعطيني رقم هاتف والدتكِ لأكلمُها ونتفق على ما يلزم؟
الفتاة : وما حاجتكَ لرقمِ الهاتف وانتَ تتمتع بقدرات التواصل من خلال توارد الأفكار ؟! هيا قم بذلك وقُل لها أن تحضر إلى هاهنا إنها تتبضع في الجِوار.
سادَ الصمتُ لبرهةٍ وما أن مرّتْ لحظاتٍ حتى وصلتْ سيّدة تحملُ بيديها أكياس متنوعة وكأنما من أحدٍ استدعاها ، وقفت بالقربِ منهُمْ ، تُنادي على ابنتها المندهشة لما حدث لتنزل من السيارة، قدَّمت اعتذارها نيابةً عن ابنتها بعد أن ألقتِ التحيّة والسلام بكل مودَّةٍواحترم!
مشت الفتاةُ بجانبِ والدتها وكانت ترمقُهُ بين الحين والآخر بنظراتٍ فيها من الدهشة والاستغرب ما يثيرُ
ُ الضحك والأسف في آنٍ واحد …
هيا بنا ننهزم.!!
الإنهزامُ والإنتصارُ هما وجهانِ لعملةٍ واحدة…! الإنهزامُ حقٌ وخَيَار ونتيجة حتمية لصراعٍ ما بين نقيضين. قد يكون الإنهزام أفضل بألفِ مرَّةٍ من الرضوخِ والأنصياع… الإنهزامُ يأتي بعد قتالٍ ضارٍ في ساحاتِ الشرف للدفاعِ عن مبادئ وأوطان عن حقوقٍ وعوائل آمنة في حضن النسيان. المنهزم صفةٌ تُطلقُ على من خاضَ معركةً وظَهَرت نتائجها، هو فعلٌ وعلامةٌ فارقة تشبهُ وسام افتخار وبراءة ذمّة يُعلقُ على صدرِ المنهزم والمنسحب إلى كتبِ التاريخ. أما الذينَ يرضخون للباطل وينصاعونَ لأوامر الظالمين فهم من أسوأ أنواع البشر وأجبنهم، لهؤلاء اقول : استيقظوا وانتفضوا على ذواتكم وانهضوا من أحضان الذين كمَّوا أفواهكم وخدروا عقولكم بوعودٍ وشعاراتٍ زائفة سَقَطت أمام أول نسمةً من نسماتِ الحقيقة الساطعة كنورِ الشمس في وضحِ النهار… هيا بنا ننهض ونحارب لأجل من نحب وندافع عن حقوقنا المسلوبة ومستقبل أولادنا. هيا بنا ننهزم في ساحاتِ القتال والدفاع عن مبادئنا لعلّنا ندخل كتب التاريخ ببراءة ذمة أفضل لنا بألف مرة من أن نكون راضخين مستسلمين لأوامر الجزارين سائرين كقطعان الغنم بعلاماتٍ فارقة وألوانٍ مختلفة تشير لأيّ زعيم ننتمي وكلنا منساقين إلى مسلخ التاريخ… ألا تؤمنون بأن الله خلق النفوس حُرَّةً كطيورِ السماء، طليقةً كنسماتِ الصباح. ؟
سمعتُ بأنَ الطيورَ على أشكالِها تقعُ ورأيتها أيضاً بالصدفةِ وأنا في سنِّ المراهقة بينما كنتُ أطوفُ في سهولِ القمحِ أبحثُ عن ذاتي ، كيف كانت تنجذب لزقزقة من تآمروا عليها من أبناء جنسها وفصيلتها وتقع في شَرَكِ الصيادين لا حولَ لها ولا قوة، وأصبحتُ اليوم أرى بوضوح مدى التشابه ما بين الطيور والبشر فأن البشر لا تنجذب إلا لتغريدات من كانو من لونها ولا تقع إلا بِشَركِ من يُشبهها من أبناء جنسها كما الطيور، أما الفرق ما بينَ الطيور والبشر فأن الطيور لن تجد من يحذّرها من الشرك، أما البشر فَبَلى ، وبَلاءٌ وبلا…!